سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
55
رسائل في الفلسفة والعرفان
فلابدّ بين المعلول والعلّة من النسبة والعلاقة الخاصّة [ 1 ] ، وإذا قلنا بوجوب النسبة والتعلّق فلأنّ التعلّق والنسبة لا تتحقّق إلّا بين طرفين ، لابدّ من وجود الطرفين [ 2 ] حتّى يتحقّق منشأ النسبة ، فلا بدّمن وجود المعلول مع العلّة لتحقّق النسبة الموقوفة عليها العليّة ، فقد وجد الممكن قبل تحقّق العليّة بالمرتبة ، فوجد قبل وجوده . هذا خُلْف . وبالجملة : فالبداهة قاضية بأنه لا نسبة بين الوجود والعدم الصِّرف ، وأيضاً قولك : بأنّ الشيء موجود من العدم إذا كان حقيقيّاً ، فلابدّ أن يكون العدم أيناً له أو متى أو جوهراً ، موضوعاً أو مادّة . . . إلى آخر الوجوديّات الممكنة ، فيلزم وجود العدم والمعدوم . هذا خُلْف . فإذن حدوث شيء من العدم الصرف محال ، وهذا حكم بديهيّ نبّهناك عليه . فإذن جميع ما صدق عليه مفهوم الممكن محتاج إلى علّة ليست تلك العلّة مباينة له بالمرّة ، وتلك العلّة تنتهي إلى مرجّح خارج عن ماهيّة الإمكان ، وهو الواجب الحقيقي الذي وجود لذاته ، وكلّ مقيّد فهو محتاج إليه ، وهو منتهى التقييدات ومرجعها ، ( إِلَيْهِ يرجع الأمر كلّه ) ، ومع كون المعلول ليس مبايناً ، كذلك ليس عين العلّة ، ولكن طور من أطوارها ، [ و ] [ 3 ] شأن من شؤونها ، لا وجود له إلّاوجودها . فتبيّن : أنّ كلّ ممكن فهو اعتبار من اعتبارات علّته ، ليس له وجود الا وجودها ، فإذن ليس في الوجود الحقيقي الذاتي إلا ذات مطلقه واحدة ، لا تعدد فيها إلّابتعدّد اعتباراتها ، [ و ] [ 4 ] ، لا تقيّد فيها بوجه من الوجوه ، وهو واجب الوجود ، فافهم . فليس في الإمكان أوسع من هذا البيان ، وتوضيح الواضح مشكل ، فالحقّ بين يديك ظاهر ، فلا تشغل فكرك بإبطال التسلسل ، فهو يحتاج إلى أوهام ملء [ 5 ] الأكوان .
--> [ 1 ] في الأصل : « والخاصّة » . [ 2 ] كذا ، والمناسب : من وجودهما . [ 3 ] إضافة يقتضيها السياق . [ 4 ] إضافة يقتضيها السياق . [ 5 ] في الأصل : « ملا » .